
أسقف تدلف المياه على أوانٍ منزلية وضعها النازحون على الأرض، قطع من أثاث المنزل مبلّلة بالمياه، جدران يزداد تشققها وأخرى تتداعى على الأرض أمام ضغط تدفّق المياه، ليغدو البيت الطيني الذي هجره أهله على عجل، كومة طين في بركة من الوحل، تتهاوى أمام الرياح الشديدة والأمطار.
يتكرر هذا المشهد مع كل عاصفة مطرية تأتي على مخيم الركبان الصحراوي عند الحدود السورية الأردنية. هذا الشتاء تسببت العواصف المطرية بأضرار كبيرة على بيوت النازحين وأثاثهم، لتجبرهم على تحمل عناء وتكلفة ترميم بيوتهم بعد أن انعدمت خياراتهم، وامتنعت الأمم المتّحدة ومنظمات الإغاثة عن مد يد العون، للتخفيف عنهم في مأساتهم التي تتكرر عدة مرات كل سنة.
لم تصمد جدران منزل أبو بشار، نازح في مخيم الركبان، أمام قوة المياه الموحلة التي تدفقت إلى منزله أثناء العاصفة المطرية خلال الشهر الفائت، تلف الأثاث، ولجأت عائلة أبو بشار إلى منزل أحد أقربائهم بعد أن غرق منزلهم الطيني.

“بدت كالغربال” يقول أبو بشار وهو يشير بيده إلى جدران منزله التي لم تصمد أمام تدفق المياه من الاعلى والأسفل، يضيف” صحيح أن الأمطار موسم خير، إلا أن الترقب والخوف يملآن وجوهنا مع كل عاصفة، فغالبية السكان لا يستطيعون تحمل تكلفة الترميم المرهقة مقارنة بإمكانياتهم المادية البسيطة، إصلاح البيوت بات عبئاً ثقيل يحرم أولادنا لقمة عيشهم”.
دفع أبو بشار نحو مئتين وثلاثين دولاراً تكلفة ترميم منزله حتى يستطيع العيش فيه، يقول” المؤلم أنك تكرر هدر نقودك في كل مرة، فالبيوت المرممة لن يطول عمرها نتيجة كثرة العواصف المطرية والغبارية التي تضرب المخيم”.
سابقاً، كان ترميم البيوت الطينية طقساً متعارف عليه في عدد من المناطق السورية قبيل بداية الشتاء، بمسميات مختلفة تعود لكل منطقة مثل”السياع” أو “الطلس” أو “اللياس” كما هو معروف لدى أهالي مخيم الركبان، حيث لا يوجد وقت محدّد للترميم، ويتكرر هذا الطقس عدة مرّات تبعاً للظروف الجوية القاسية التي تنخر بيوت الطين.
صيفاً شتاءً يبني سكان الركبان ويرممون ما أفسدته العواصف، طول البقاء وتكرار عملية البناء والتطيين منح غالبية النازحين خبرة في البناء، إذ يقوم غالبيتهم بمعالجة الفسوخ والتشققات بأنفسهم.
أحضر أبو محمد، أحد الذين تضررت بيوتهم، ثلاث شاحنات من الأتربة جلبها من مناطق مختلفة بالقرب من المخيم، نزع الحجارة والشوائب من التراب وعجن الطين الذي أضاف له القش وقليلاً من التبن، وبدأ بتطيين الجدران وعزل السقف، يقول” كانت الأضرار بسيطة، مع ذلك رممت منزلي ثلاث مرات هذا الشتاء، هذه حالنا وحياتنا مع الطين، غالبيتنا صار لديه خبرة في جبل الطين وتطيين الجدران”.
تختلف نسبة الضرر بين كل بيت وآخر وفقاً لطريقة بنائه وعزله، يقول أبو زهراء، صاحب ورشة بناء في المخيّم، إن قرابة مئتي منزل تعرضت لضرر متوسط، منها منزل أبو بشار، وهي بحاجة للترميم بالرغم من أن أصحابها رمموها في نهاية الخريف، موضحاً أن متوسط تكلفة الترميم نحو مئتي دولار.



هذه التكلفة ليست بقليلة قياساً بوضع السكان المادي، فهي تعادل أجرة عامل مياومة لثلاثة أشهر، لذلك يراها من تحدّثنا معهم “مرهقة”، بسبب قلّة فرص العمل في الركبان وانخفاض الأجور وندرة المساعدات، ومرتفعة قياساً بالعام الماضي بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار والمحروقات من جهة، وجلب المواد من مناطق النظام عبر ممرات التهريب مثل شوادر النايلون والقصب والإسمنت بأسعار مرتفعة من جهة أخرى.
الضرر الكبير طال نحو خمسين بيتاً في الركبان، وهذه يصعب ترميمها، والحل هو هدمها وإعادة بنائها من جديد، بمتوسط تكلفة نحو ألف دولار للمنزل المكون من غرفتين ومنافع، بحسب أبو زهراء.
كان من بين المنازل المتضررة بيت النازح ابو يوسف العموري الذي بناه، ليتخلص من تعاسة العيش في خيمة، بأساسات ضعيفة وسقف من قواطع خشبية وشوادر نايلون لم تصمد طويلاً أمام العواصف.
رغم اليأس إلا أن إعادة الترميم لمرات سنوياً كان أمراً لا بد منه، إلى أن حطمت الرياح سقف البيت وهدمت المياه المتدفقة أجزاءً كبيرة من الجدران.
“لا منزل ولا أثاث، البناؤون قالوا إنه لا حل سوى الهدم وإعادة البناء من جديد، عائلتي بقيت شهرين عند أقاربنا داخل المخيم، دون أن يلتفت إلينا أحد من المنظمات الأممية والإغاثية”.
قبل أيام عاد أبو يوسف إلى منزله الذي بناه من جديد بفضل ما أسماه “الفزعة”، وهي سرعة استجابة أقاربه ممن يعيشون خارج المخيم بإرسالهم حوالات مالية، ومبادرة أهال في المخيم، رغم فقرهم، بتقديم المال، والأثاث لاحقاً.
يرمّم النازحون في مخيم الركبان بيوتهم مرتين على الأقل في كل عام، مع ذلك تتعرض للتشقق والتآكل، يرجع البنّاء أبو زهراء ذلك لعدّة أسباب أهمّها: أن القدرات المادية الضعيفة فرضت على عدد من النازحين بناء بيوتهم من دون أساسات للتخلص من سكن الخيام ولاعتقادهم أن بقاءهم مؤقت في المخيم. وهناك بيوت بنيت بأساسات ضعيفة، دون أن يقوم أصحابها بعزل جدرانها بشواد النايلون من الخارج والإسمنت من الداخل.
إضافة لذلك يفرض العامل المادي على السكان الاستغناء عن مواد لازمة لبناء البيت وعزله لعجزهم عن شرائها، مثل الإسمنت الذي يقوّي الأساسات، والقش(مخلّفات الحصاد) والتبن الذي يزيد متانة عجينة الطين، والخشب وشوادر النايلون التي تستخدم لعزل السقف والجدران، ويكتفون بوضع الطين فوق القديمة رغم اهترائها، فالشادر الواحد وصل سعره إلى مائة ألف ليرة سوريّة(قرابة 14 دولار)، وكيس الإسمنت بذات السعر، أي ما يعادل أجرة عامل مياومة لستة أيام في المخيّم.
من الأسباب الأخرى، يذكر أبو زهراء أن ملوحة الأرض وطبيعة التربة الصحراوية المستخدمة في بناء البيوت تقلل من متانتها، بالإضافة إلى الظروف الجويّة القاسية وشدّة العواصف المطرية والغبارية التي تؤدي لزيادة هشاشة الجدران وتسريب المياه منها إلى الداخل أو تهدم أجزاء منها.
لم يستطع أبو علي التدمري، نازح في الركبان، شراء شوادر لسقف بيته الذي يحتاج لثلاثة منها هذا العام، بعد أن اهترأت القديمة. قبل أسابيع وزعت منظمة غراس الخير الإنسانية شادر نايلون لكل عائلة، يقول أبو علي إنه وضع الشادر الجديد وفوقه طبقة رقيقة من الطين إلا أن هذا لن يعطي نتيجة فالمياه ما تزال تدلف على جدران منزله من الداخل وعلى الأرض التي يفرشها بأواني المطبخ كي لا تفسد المياه الأثاث.
ليس الحال أفضل كثيراً بالنسبة لأولئك الذين اشتروا شوادر جديدة وسقفوا بها منازلهم، فتسرّب المياه ما زال موجوداً، يقول البنّاء أبو محمد إنه رغم التكلفة المادية والعناء إلا أن هذه الشوادر الموضوعة على دعامات خشبية لن تستطيع الصمود في وجه طقس الركبان العاصف.
يخبرنا أبو محمد أن الحل هو اعتماد طريقة أخرى في سقف المنازل، وهو وضع قضبان حديدية، والأفضل أن تكون من نوع (الجسور)، تمسك جدران البيت من الأعلى وتجعلها مترابطة كأنها كتلة واحدة، بعدها توضع ألواح خشبية بسماكة 5 سنتيمتر وبطول متر واحد وعرض مترين وتثبت بالبراغي فوق الحديد، ثم تفرش طبقة من القصب فوق الألواح الخشبية، وأخيراً يوضع الطين فوق القصب.
يقول أبو محمد إن عائلات قليلة في المخيم من استطاعت اعتماد هذه الطريقة لارتفاع تكلفتها، إذ تحتاج الغرفة الواحدة(مساحتها 16 متر مربع) لحديد بقيمة لا تقل عن 50 دولار، وثمانية ألواح خشب سعرها 112 دولار(ثمن اللوح 14 دولار)، وربطة من القصب الذي يأتي من مناطق النظام ويباع بـ 50 دولار، فالمجموع قرابة 300 دولار إن احتسبنا أجرة اليد العاملة وأجور نقل التراب والمياه.
إلى جانب ذلك يرى أبو محمد أنه من الأفضل عزل الجدران بشوادر النايلون من الخارج، إذ يحتاج البيت الواحد لخمسة شوادر على أقل تقدير، أما من الداخل فمن الجيد طلاء الجدران بطبقة رقيقة من عجينة الإسمنت لمنع التفسخ وتسرّب المياه.
هذه الإجراءات على أهميتها تفوق قدرات سكان مخيم الركبان، والدليل على ذلك أنهم ما يزالون يستعملون شوادر الأمم المتحدة المهترئة والتي وزعتها على السكان قبل أربع سنوات، ومنذ ذلك الوقت تقاعست الأمم المتّحدة ولحقت بها المنظمات الإنسانية عن تحمل مسؤولياتها تجاه أزيد من سبعة آلاف إنسان يعيش داخل المخيّم، جل ما يتمنّونه إيقاف معاناتهم المتكررة بمساعدتهم بما يخفف عنهم عبء إصلاح منازلهم وترميمها، فلا مكان يأوون إليه بعد أن سدّت الطرق إلى الأردن والشمال السوري في وجههم، سوى مناطق النظام، الخيار المر الذي يرغمهم عليه حصار النظام وصمت وإهمال الأمم المتحدة.

